لم تكن الساعة العاشرة من كل ضحى اثنين تتميز بشيء عن مثيلاتها من الساعات اليومية إلا أنني كنت في هذه الساعة أتثاءب كثيرا من رتابة إلقاء المحاضرة ومن الوتيرة الواحدة التي أسمعها في كل اثنين وكأنني أسمع شريط يكرر ويعاد[ واضح يا بنات ؟ أي سؤال ؟] دون أن تنتظر إيجابه بنعم أو لا ..
يوحي الصمت في أحآين كثيرة بشيء ( مسخوط عليه من الداخل ) فكيف إن التصقت بالصمت بعض ملامح نافرة يكون الإيحاء أعمق.. هذا ما حصل يوم الثلاثاء في المحاضرة الأولى مادة عويصة بعض الشيء ( التقويم التربوي ) وكأنها وهي تلقننا فصول هذه المادة قد ضمنت لـ 60 طالبة وظيفة المرشد والناقد والموجه التربوي .. في اعتقادي لو كانت المادة ( فلسفة ابن تيمية ) لكسبنا وانتفعنا منطقا وفكرا على أقل حالات التلقي في جامعتنا المزدهرة بمناهج أحيانا تكون في الصميم طالما أن الوظيفة و الكرسي التعليمي بعيد المنال فلما هذا العناء الأكاديمي !؟
يوم الثلاثاء طلب منا بحث من عشر صفحات في مادة (التقويم التربوي )
البحث بالنسبة لي يا أحبة رياضة لعقلي وتنشيطا لهمتي لذلك لم أكن من الـ 59 اللواتي احتججن على عمل البحث والمتصخبات على ذلك الجهد منهن الذي لا ولن يبذل .. ولأني الوحيدة التي قبلت الأمر فلم يكن صوتي مسموعا أو رائيي مأخوذا به .. لهذا ما كان من سعادة الدكتورة المكرمة إلا أن أطفأت حمم الغضب التي تهايلت عليها من أفواه الطالبات ( المجدات جدا) بقولها الذي يشبه إلى حد ما قول الكثير من المخلصين أمثالها [ الله ! هوه انتم حتعملو حاقة ! دا النت موقود اسحبي البحس منوه وتاخذي 10 درقات]
طار الغضب في دماغي وخذفتها بنظرة طويلة لم أسترجعها إلا بكسرة في آلائي بعد أن هدأت البنات وتشاغلن كعادتعهن بأمور تافهة للغاية قمت وقد تحاملت على ساقي الذي آسف أنه وطيء هذا الزمن الغابر وسرت بتثاقل نحو الـ ( مخلصة جدا ) وشعرت وأنا أسير نحوها أني أكرهها في كل خطوة أكثر - لاتلوموني - لقد غلت المشاعر في صدري ..
وصلت إليها ووجهي يحكي معناة جيل وسقوط مبدأ وانحدار قيم كنت أريد أن أساوي بين عمرها وبين عميق أمانتها فأختصر حديثي معها بعبارة محترمة مدبجة .. عبارة عتب من قليب أعماقي لا أكترث إن كانت هذه الكلمة ستحرمني شهادة التخرج لا أكترث !
بصراحة كانت أشجع مني حينما ابتدرت كسر الصمت بقولها [متشليش هم البحس يابنتي مهو سهل قدا قدا ] فقلت : دكتورة لن آتي بالبحث من النت فقاطعتني قبل أن ألقي في كبدها جمرتي وعقّبت قائلة بعد أن أرخت ملامحها وهدأ وتر صوتها واستقرت عينها بعيني [حلها بسيط .. حشتري لك البحس بمبلغ زهيد أوي أوي ما تحمليش هم ] ا نكفأت نفسي وشعرت برعدة تتماشى في عروقي وكأنما انطفأ وهج الحياة في قلبي وسقط منارة الأمانة في عقلي وتداعت مع ذلك إلى ذهني مخزون من الأفكار الخبيثة وخلت لوهلة أن لعنة الله ساقطة علي وعليها فانصرفت منها بلوعة لاتزال كامنة في نفسي حتى اليوم .. يحيها الأمل تارة ويميتها الأسى أخرى ..
ما كنت أحسب أن المهزلة تتعدا الطالبات إلى الدكتورات ( القدوات ) ثمة تناقض حادق في نخاعي بين ماعلمتني عليه أمي وبين ما كبرت عليه .. أمي كانت تردد: أستاذك عدل منه كل ما صنع ! فهل صنع دكتورتي عدل يا أمي !؟
إنها رذيلة ورب الكعبة يهون عندها التخلف , وتتضائل أمامها القيم السامية التي حرصت على أن تقودني بها معلمتي لا أن تصادمني بها ..
آآآه ما أكثر نزف الواقع والمعاني والأحلام !
وسؤالي لضميرك يا قدوتي أين حسك وأنت من قوله الملك الحق : ( وقفوهم إنهم مسؤلون ) !؟
تذكرت بيتا شهيرا خالدا يصعب علي ن أنساه بعد اليوم ..
: قم للمحرج وفه الأموال *** كاد المرابي أن يبيع بحوثا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ورأيك يسعدني..